منتديات حمورابي التاريخية
مرحبا بك عزيزي الزائر
فـي

منتديات حمورابي التاريخية
اوسع نافذة تاريخية تطل على العالم

إن لم يكن لديك حساب بعد
نتشرف بدعوتك لإتمامه



 
الرئيسيةالبوابةس .و .جالتسجيلدخول
online
بحـث
 
 

نتائج البحث
 
Rechercher بحث متقدم
المواضيع الأخيرة
» لغات العراق القديم- الثقافة اليهوديـة
الخميس يوليو 06, 2017 6:19 pm من طرف وليدالصكر

» القبائل العربية في ليبيا
الأربعاء يوليو 05, 2017 5:45 pm من طرف وليدالصكر

» قصة الرحالة الايطالي ديللا فاليه وزوجته العراقية
الجمعة سبتمبر 30, 2016 8:15 pm من طرف وليدالصكر

» العثمانيون ..اصلهم وتاريخهم
الجمعة مايو 06, 2016 10:37 pm من طرف وليدالصكر

» أثينا مولد الحضارة الغربية
الجمعة نوفمبر 20, 2015 5:19 am من طرف وليدالصكر

» متحف أورسي
السبت نوفمبر 07, 2015 6:22 am من طرف وليدالصكر

» لغات العراق القديم- العربيـة
الثلاثاء مايو 26, 2015 3:36 am من طرف وليدالصكر

» اخــوان الصفـا
الجمعة أكتوبر 24, 2014 8:33 pm من طرف وليدالصكر

» مسلة حمورابي
الجمعة أكتوبر 24, 2014 8:17 pm من طرف وليدالصكر

» حضارة وادي السند
الأحد سبتمبر 21, 2014 12:21 am من طرف وليدالصكر

» الرشيد والبهلول
السبت مارس 15, 2014 12:18 am من طرف وليدالصكر

» المماليك
الثلاثاء مارس 04, 2014 2:29 am من طرف وليدالصكر

» اجمل واحلى المفردات ومعانيها في تاريخ العراق
الجمعة يناير 10, 2014 5:14 pm من طرف وليدالصكر

» نظرة الى((حب)) الماء ثلاجة الاجداد ورائحة التراث
السبت يناير 04, 2014 10:27 pm من طرف وليدالصكر

» ديهيا:الساحرة التي حكمت البربر
الأحد ديسمبر 15, 2013 6:37 am من طرف وليدالصكر


شاطر | 
 

 رحـلة في الـبـاديـــة

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
وليدالصكر
المدير العام
avatar

عدد المساهمات : 180
تاريخ التسجيل : 20/10/2008

مُساهمةموضوع: رحـلة في الـبـاديـــة   الأربعاء سبتمبر 23, 2009 10:53 pm

رحلة في البادية1914 قبل الحرب العالمية الاولى قام بها اسكندر يوسف الحايك والتقى خلالها بعدد من شيوخ العشائر من ضمنهم الامير حمود بن سلطان شيخ قبيلة الجبور في ذلك الوقت 14 نيسان: رحلة مائة وثلاثين يوماً متواصلة على ظهور الخيل (رحلة في البادية) قمت بها منذ عشرين عاماً، برفقة السيد باسيل كورباه أحد رجال الحكم القيصري الروسي الذي جاء المشرق ليجوب البادية الآهلة بالقبائل العربية لغاية أظنها سياسية.

تركنا منطقة(شدادي) واجتزنا نهر الخابور إلى الضفة الشرقية. ويعبرون النهر من ضفة إلى ضفة على زورق صغير الحجم لا يسع أكثر من حصان أو بغل فصرفنا في عبوره ما يربي على ثلاث ساعات. ونهر الخابور مخطر لأنه ضيق وعميق جداً وتياره قوي وشديد لأنه منحدر ومحصور ضمن ضفتين قريبتين الواحدة من الأخرى فالحكمة قضت أن نعبره كما يعبره الغير تلافياً للحوادث.
وما زلنا سائرين حتى انتهينا إلى (فوزية) وكانت الساعة الواحدة بعد الظهر فأصبحنا في نقطة لا سيطرة عليها للدولة عن إخضاع القبائل المقيمة في تلك البقعة وقيل لنا أن الجراد ينتاب هاتيك الأصقاع منذ ثلاثين سنة فأكثر ولا يهتم العربان بمكافحته على الإطلاق. الذباب الأزرق: هذا النوع من الذباب يعيش بالمحلات التي تطول فيها إقامة الجراد فاستعدينا له فلبسنا قفازات ونظارات وعملنا كل الطرق حتى ما عاد يمكن الذباب الأزرق أن يلمس محلا من أجسامنا لأن الذباب الأزرق مخيفاً إذا لسع قتل وكنت ترى رؤوس الدواب التي لسعها الذباب تتضخم بنوع هائل من الورم وتحمر عيناها فتصبح كالسكارى. وعن لنا أن نغير طريقنا تملصاً من الجراد والذباب الأزرق وكان هذان الصنفان يملان الجو في تلك الوادي، فسلكنا طريقاً جديداً كنا نجهل أوله وآخره. وأننا لكذلك إذ شاهدنا على قمة جبل خياماً عديدة تحولنا بمسيرنا إليها. وما كدنا ندنو من تلك الخيام حتى أدركنا أن هنالك قبيلة كبيرة وما كنا نتوقع المرور بقبيلة كهذه قبل وصولنا إلى عرب الجبور

الخوّة

وحين انتهينا إلى حدود تلك القبيلة توقفنا عن متابعة السير وأرسلنا دركياً حاملاً عصا في أعلاه منديل كبير (علم) أبيض اللون وقد كتبنا له العلامة التي أعطانيها محمد شيوخ(يقصد به محمد شيخ شمر) ومع هذه العلامة بعثت بعبائة حريرية هدية لشيخ القبيلة (الخوة). ومرت ساعة على انتظارنا وما سيكون من أمر رسولنا مع الشيخ وإذا بالرسول عائد إلينا مع ابن الشيخ يواكبهما خمسون فارساً بعث بهم لاستقبالنا ومرافقتنا إلى مضارب قبيلته. ولدى وصولهم إلينا دنا مني ابن الشيخ –وكان شاباً في مقتبل العمر- وقال: يا مرحباً بالضيوف يا مرحباً بالكرام لقد أمرني والدي باستقبالكم ومرافقتكم إلى منزله. فعندها قدمت الشاب للسائح مترجماً له مقاله فشكره ووالده على عطفهما هذا. واطمأنت ضمائرنا بعد شديد اضطرابها وسرنا وابن الشيخ وفرسانه إلى أن انتهينا إلى مضارب القبيلة ولم يتجاوز سيرنا نصف الساعة حتى أدخلونا سرادق الضيوف (بيت الاستقبال) حيث انتظرنا هنيهة. ثم اقبل علينا الشيخ حمود سلطان أمير القبيلة وبش لها وهش وحيانا مرحباً بنا آمراً لنا بالجلوس فبالقهوة فدقت أجران البن على عادة أولئك العربان بأنغامها اللذيذة ثم قدمت لنا القهوة ثلاثاً وما استقر بنا المقام حتى رجوت من الأمير أن يعد لنا مكاناً لحملتنا فأمر رجاله بالعمل، وما هو غير القليل حتى كانت خيامنا منصوبة ثم سألت الأمير قائلاً: ومن أين لكم بالماء الكافي لقبيلتكم ومواشيكم؟ فقال: إن لنا ماء غزيراً على مقربة منا وسأذهب بكم إلى محله. وأخذنا قسطنا من الراحة بعد أن شربنا القهوة فنهض بنا الأمير وسرنا جميعاً إلى مكان الماء وكان على مسافة قريبة من مضربه. فإذا بنا أمام صخر طويل عريض حفره الأقدمون وجعلوا منه بحيرة تجتمع فيها مياه الأمطار في كل عام.

حفلة زواج

وعدنا إلى القبيلة فأعلمنا الأمير بحفلة زواج أحد فرسانه ذلك المساء ودعانا إلى حضورها فقبلنا الدعوة شاكرين. وفي الأجل المضروب لتلك الحفلة ذهبنا بمعية الأمير إلى باحة فسيحة كانت في وسط المضارب وقد نصبوا هنالك خيمة صغيرة معدة لإقامة العروس قبل الزفاف. ثم ما لبثنا أن عرفنا أن أحد فرسان الجبور سبا ابنة من إحدى القبائل المجاورة. وهو العريس وهي العروس. وما طال الأمر حتى جاء شيخ الدين وكتب كتاب الزوجين. ثم أخرجوهما إلى الساحة حيث كانوا اعدوا عدة الألعاب الرياضية التي يقوم بها العربان في الحفلات الزواجية بعد أن وضعوا العروسين في خيمة نظموها كما يلي: أوقفوا أربعة من الرماح ولفوا من حول هذه الرماح بلباس أسود من شعر الماعز فأصبحت بقياس نحو ثلاثة أمتار مربعة. وأنجزوا في بادئ الأمر سباقاً مصحوباً بلعب الرمح والسيف وعقب ذلك غناء النساء والبنات (العماريات) ثم جاء دور لعب الجريد فإطلاق الرصاص. وبعد انتهاء ما تقدم رأينا الأمير يضع في الساحة ثلاث قطع خشبية مختلفة الحجم ثم أفرز قطعة منها ونادى قومه قائلاً: من استطاع أن يقطع هذه الخشبة بضربة سيفه كافأته بخمس نعجات. وكان طول الخشبة يبلغ نحواً من أربعة امتار، فتقدم عشرة من العربان لإجراء العمل فتساوى ستة منهم بالإجادة وفشل أربعة. وعندها قال الأمير للستة الفائزين: أجمعوا معاً قطعتين من الخشبة واربطوها بخيط من الشعر ثم حكموا فيها سيوفكم ففعلوا غير أن واحداً منهم تمكن من قطعها بضربة واحدة فأخذ النعجات الخمس ومضى. ثم جاء الأمير بخشبة ثانية وكانت جائزتها أربعة خرفان ونادى قومه قائلاً: هاتوا سيوفكم وحكموها في هذه الخشبة، فتقدم ستة من العربان واأنجزوا العمل فلم يفز منهم غير اثنين، وعندها أمر الأمير بجمع قطعتين من تلك الخشبة داعياً الرابحين إلى العمل فتساويا بالإجادة ونال كل منهما خروفين. ثم جاء الأمير بالخشبة الثالثة وكانت جائزتها جملاً صغيراً (حلال صغير) ودعا قومه كما مر فلم يتقدم منهم سوى فارسين حكما فيها سيوفهما وقطعاها بضربة واحدة. ثم فعل الأمير فعله بالخشبتين السابقتين ففاز واحد منهما بالجائزة. وانتهت الألعاب الرياضية فدعانا الأمير لتناول العشاء في مضربه فسرنا في خدمته وما كدنا ندخل الخيمة حتى وقع نظرنا على رسول يحمل كتابا إلى الأمير فقراه ثم كتب الجواب وصرف الرسول. وسألت الأمير ما مضمون ذلك الكتاب فقال: إن قبيلة تطلب محاربتنا غداً صباحاً في وادي العدس. قلت: وما سبب ذلك؟ قال: العروس التي احتفلنا الآن بزفافها وقد سباها الفارس الذي اقترن بها. قلت: أليس السبي مألوفاً عند العرب؟ قال: بلى ولكن يحق للقبيلة المعتدى عليها أن تنتقم إذا شاءت ويظهر أن القبيلة التي تطلب الحرب غير راضية عن عمل فارسنا. لأن الابنة التي سباها كانت مزمعة أن تتزوج فارساً من مشاهير فرسان قبيلتها ومن أهمهم وأقربهم من الأمير.. قلت: وما كان جوابكم؟ قال: إننا مستعدون للموقعة في وادي العدس صباح غد إن شاء الله. وتناولنا عشاءنا على مائدة الشيخ حمود وكان صورة طبق الأصل للطعام الذي تناولناه على مائدة الشيخ محمد الملحم إنما الطاولة وطريقة الجلوس تختلف حيث جمعوا خرجة الجمال بعلو تسعين سنتيمتراً تقريباً ونظموها بشكل طاولة ووضعوا حولها سجادة من الجنس الجيد جميلة النقش فأصبحت الطاولة كأنها سجادة مدورة وضعت عليها صدور الأكل، وكان حول الطاولة مقعد مدور على هيئة الطاولة مفروش من سجاد ووضعت الواحدة منها فوق الثانية حتى بلغ المقعد العلو المطلوب كأنك جالس على كرسي إلى طاولة ولا طاولة ولا كرسي. وقد لاطفنا الأمير كل الملاطفة وما كدنا ننتهي من الأكل حتى ناول عبد الأمير كتاباً جاء فيه ما يلي: علمنا من رسولنا أن عندكم اليوم ضيوفاً وإكراماً لهؤلاء الضيوف أجلنا الحرب إلى ما بعد سفرهم لأننا رأينا العيب والعار أن نهاجمكم وانتم منهمكون بإكرام ضيوفكم، ثم نعتبر أن هؤلاء الضيوف هم ضيوف الجزيرة فهم ضيوفنا كما هم ضيوفكم. وكانت الكتابة هذه واردة إليه من أمير القبيلة التي كانت تطلبه للنزال في صباح اليوم التالي فأجاب الأمير على الكتابة شاكراً: وعندها سألت الأمير ما إذا كانت الموقعة على طريقنا وما إذا كان يلحقنا منها الأذى فأجابني قائلاً، ستكون الموقعة على طريقكم وتكون حينئذ حالة القبيلة حالة فوضى فلا يسع أميرها منع الاعتداءات والردع عن النهب والسلب والتفظيع فيحتمل أن أولئك العربان يلتقونكم في طريقكم ويحصل ما لا تحمد عقباه لأن بين العرب أسافل وأذل نظير غيرهم من الأمم والشعوب. الأفضل أن تسلكوا طريق الوعر والجبال ولا أضن عليكم بدليل من قبيلتنا يرافقكم حتى الطريق السلطاني وهو على مسافة أربع ساعات من وادي العدس. وهناك تصبحون بمأمن من كل خطر، قلنا: شكراً لكم يا مولاي وامتناناً على عطفكم وحسن التفاتكم فيمكن إذا أن نسافر غداً، قال: لا أسمح لكم بمغادرتنا غداً فإنكم ستبقون في ضيافتنا يوماً آخر وإذا شئتم السفر بعد غد فلا باس بذلك.

المكان : [ فوزية ] أحوال القبيلة

وأراد الأمير أن يتفقد أحوال القبيلة فدعانا إلى مرافقته. وجدنا منازل الشيخ قائمة خارجاً عن منازل القبيلة وعددها عشرة ولكل منزل منها بابان شرقي والثاني غربي وهي تمتد بالصف الأول من مضارب القبيلة وتنتهي في آخر صف منها. أما صفوف مضارب القبيلة ممتدة من الشمال إلى القبلة، فإذا شئت أن تخرج من القبيلة في أي صف كان تجد بيتاً من بيوت الشيخ بوجهك، تلك هي وضعية القبيلة، موقعها على القمة وتشرف على الوادي وإلى ورائها من الجهة الشرقية يقوم جبل وعر المسالك، جاء بنا الأمير في بادئ الأمر إلى مضرب من مضارب أغنياء القبيلة دخلنا فرحب بنا صاحبه وأجلسنا على مقعد من السجاد وما هو غير القليل حتى أقبلت ربة المنزل والجواهر والحلي على معصميها وفي أذنيها وحول عنقها وفي شعرها، فابتدرت قائلة للأمير أمرك يا مولاي؟ أجابها الأمير: لا شيء إنما نحن مارون من هنا كي نري ضيوفنا بيوتكم. التفتّ إلى الشيخ سائلاً: وماذا تعني المرأة بكلامها وزوجها واقف بجانبها؟ قال: العادة عندنا إنه لما يدخل أمير القبيلة بيتاً من بيوتها يصبح رب البيت تابعاً لا متبوعاً ويطلب الأمير ما يشاء لأن العرب يعتبرون أميرهم رب سائر البيوت. وقد أرادت المرأة أن تستفهم مني ما إذا كنا نرغب أن نشرب القهوة أم أن نتناول عندها شيئاً آخر (كالشنينة أو حليب النوق) وكان ذلك المضرب مظلماً لا نور فيه فسالت الأمير قائلاً: إلا تستخدمون المصابيح في منازلكم؟ قال: لا تستخدم القبائل المصابيح والأنوار فهي تصرف الليالي في الظلام أو على ضوء القمر. على أن الأمراء والمشايخ يستخدمون الأنوار عند استقبال ضيوفهم. سألت: كيف يعيش بيت كهذا؟ قال: هذا بيت غني له ثروة من حلال وغنم وخيل. وهنا سألت رب البيت قائلاً كم عندك من الجمال والنوق؟ قال: أربعون جملاً وخمسون ناقة، وقد أنجبت النوق في هذا العام أربعة وأربعين ذكوراً وإناثاً. قلت: وهل من تفاوت في النوق والجمال أم كلها متساوي! قال: النوق والجمال مثل الخيل، منها ما هو أصله كريم ومنها ما هو عادي. قلت: ما فائدة الناقة الكريمة الأصل؟ قال: يباع نتاجها بثمن أغلى من عادية الأصل فتكون ثمرتها والحالة هذه أكثر.غير إنه لا يسعنا أن نتوصل دائماً إلى النوق الكريمة الأصل فنضطر إلى ابتياعها من مختلف الأجناس. قلت: وكم عندك من الخيل؟ قال: عندي أنثى واحدة وجوادان منها وكلها من الرسن النعنقي المعروف بجودته قلت: وكم عندك من الغنم؟ قال: عندي ألف نعجة حلوب وضعت كلها في هذا العام وموسم السمن في هذه السنة مقبل خيراً عندي أما الكبوش فإننا نبيعها ولا نحتفظ منها بسوى أجودها وهو ما يصلح للنزو، بناء عليه لا يوجد عندي سوى مائة كبش. قلت: وما هي غلة النعجة على وجه التقريب؟ قال: لا أعلم. فإننا سائرون على بركة الله، لا كيل لنا ولا ميزان، وعندها قال الأمير: تتراوح غلة النعجة في العام بين الخمسين والستين من الغروش التركية الذهبية. وأني أعني الغلة بالسمن والصوف. وهنا عدت فسالت الشيخ ما هو مأكول هذه الطبقة؟ قال: يأكلون اللبن ويشربون الشنينة (أي ما تبقى من اللبن بعد خضه ورفع السمن منه) ويأكلون الأرز والبرغل واللحوم من وقت إلى آخر ولكن أكلهم اليومي اللبن والسمن والخبز، هذا مأكول الطبقة الغنية أما الطبقات الأخرى فتختلف كثيراً . وجاء بنا الأمير إلى بيت قتل صاحبه تاركاً أرملة وفتاتين وكان من البيوت المتوسطة الحال. وما كدنا ندخل حتى انتصبت بدوية في عقدها الرابع ورحبت بنا كل الترحيب، فقلت لها: لا شك أنك في ضنك من العيش لأنه لا رجل لك يعينك على متاعب الحياة. قالت: إن البدوية التي تفقد زوجها وقد أعدمها الله من الذكور تمسي حزينة منغصة العيش وتضطر أن تهتم بذاتها لأمر معيشتها ومعيشة بناتها. قلت: أليس لزوجك من اخوة يهتمون بأمرك؟ قالت: أميرنا هو أبونا وأخونا وعضدنا وقيلنا من كل عثرة. وما زال الأمير بخير فنحن بخير. قلت: وهل لك من الماشية ما يقوم بأولادك وابنتيك؟ قالت: عندنا من النوق والجمال عدد لا يستهان به عشرون ناقة وخمسة جمال وعندنا ثلاثمائة نعجة حلوب وخمسون كبشاً للنزو. قلت: وهل عندكن خيل؟ قالت: كلا من يركب الخيل عندنا؟ وكانت ملابس المرأة وابنتيها من الحرير الناعم الثمين وكانت الحلي والجواهر تزين معاصمهن وآذانهن وأعناقهن وشعرهن وكانت تبدو عليهن علائم النعمة والعيش البذخ. وقبل مغادرتنا الخيمة رغبت في الاستعلام عن مقتل البدوي زوج تلك المرأة فقيل لي أنه قتل دفاعاً عن شرف ابنته الكبرى فقد كان سباها مرغمة أحد أفراد قبيلة أخرى فلحق به والدها وخلصها فكمن له الرجل وقتله على مقربة من المضارب. ثم ذهب بنا الأمير إلى بيت من بيوت فقراء القبيلة فوجدنا فيها رجل في العقد الخامس وأجلسنا على مقعد من الشعر وكان للرجل امرأة وأولاد فأفهني الأمير أن الجماعة هذه من أفقر القبيلة سالت البدوي: هل عندكم شيء من الحلال؟ قال: عندنا من كرم الباري عشر نوق وجملان. قلت: وهل عندكم شيء من الغنم؟ قال: عندنا خمسون نعجة وعشرة خرفان. قلت: وهل يقوم ذلك بأولادكم؟ قال: نعم وما زال أميرنا بخير فنحن بخير. وإذ كنا سائرين دارت بيني وبين الشيخ المحاورة الآتية: قلت كيف تتألف القبيلة؟ قال:
تتألف القبيلة عندنا من أقسام أربعة:
1- العائلة والعبيد
2- حرس العماريات
3- الجيش المسؤول عن حماية القبيلة جمعاء (الفرسان)
4- الرعاة وهم المكلفون برعاية الحلال (المواشي)

قلت: وهل يريد سيدي الشيخ أن يتكرم علينا بزيادة الإيضاح؟ قال: القسم الأول يعني العائلة والعبيد. فالعائلة هي البيت الذي يخول حق السيادة على القبيلة وللعائلة نظام خاص تسير بموجبه. ومن دأب هذا النظام ان يخولها حقوقاً يعترف بها الجميع. وتؤخذ نفقاتها من واردات القبيلة وتجبى مع سائر الضرائب أما حصص أفرادها فتنوع عليهم بنسبة درجات قرابتهم من الشخص المسؤول وهو شيخ القبيلة أو أميرها. فحصة أولاد عمي فوق حصة أبناء خالي وحصة أولادي فوق حصة أبناء عمي. قلت: وهل لأبناء خالك حصة، وهل تعتبرونهم من العائلة بمجرد انتسابهم إليكم أو ماذا؟ قال: إن أبناء خالي من العائلة لأن والدتي من عصبنا ومن دمنا ومن عائلتنا. على إنها لو كانت عربية لما حق لأخيها وأبنائه شيء عندنا إذ أن المال خاص بالعائلة دون سواها. قلت: وهل لسيدي الشيخ أن يفهمنا عن مقدار ما يتقاضاه كل من أفراد العائلة؟ قال: يسعني أن أوقفكم على القاعدة التي نتخذها أساسا للتعديل في جمع المال وتوزيعه على الأفراد. وهي القاعدة المعمول بها عند سائر القبائل وقد بنيت على اساس ثابت مقرر لا يقبل التغيير والتحير في بادئ الأمر كانت كل قبيلة تقدر بمائة بيت وكان المال يوزع على هذه البيوت بنسبة الواردات فإن ازدادت البيوت ازدادت معها الواردات وكبرت الحصص بالنسبة إليها وإذا نقصت البيوت نقصت معها الواردات بالنسبة إلى ذلك النقص. قلت: لم أفهم قولكم فإذا شئتم تفضلوا بزيادة الإيضاح قال: من العادة أن يكون لكل بيت عشرة جمال على الأقل وعشرون نعجة حلوب بيتمكن بذلك من العيش في البادية ويفرض على كل بدوي من أصحاب البيوت أن يدفع للإدارة مبلغاً معيناً عن كل جمل ومثله عن كل نعجة وتعرف هذه الضريبة بضريبة الحماية، وخلا ما تقدم فإن على كل بدوي صاحب بيت فرضاً على الغلال وعلى نتاج الحيوانات وعلى واردات الصوف والسمن وما شاكل ذلك فعلى هذا التعديل يدفع البدوي ثلاثين بالمائة من وارداته. ثم يدفع عن كل فرد مبلغ معين بدلاً من حماية الأرواح وتعديل هذا كله ثلاثون بالمائة من الدخل. وبعدما تقدم لا عهدة أصلاً على البدوي المذكور قلت. ما معنى هذه العهدة؟ قال: بعدها إننا نحن المسؤولون عن حمايته وحماية عرضه وحلاله بسيوفنا ورماحنا وفرساننا وقوتنا المادية والمعنوية. فيعود إلينا البدوي في أموره كلها. قلت: فليتكرم علي سيدي الشيخ بشرح حال العبيد. قال: إن أهمية العبيد في القبيلة قدر أهمية العائلة. والعبيد الذين رأيتموهم هم أبناء العبيد الذين خدموا آبائنا وأجدادنا. وسيخدم أبناؤهم أبنائنا قلت: وهل لهؤلاء العبيد من حقوق محفوظة؟ قال: على سيد كل قبيلة أن يصون العبيد وعائلاتهم محافظاً على كيانهم كل المحافظة. وإذا اتفق أن عبداً خان سيده وتآمر على قتله جاء الأمير خليفة سالفه وقتل العبد وقضى على ذريته عن بكرة أبيها. وقد كان التوفيق أليفنا وحليفنا فيما يتعلق بالعبيد فقد كانوا أبداً ودائماً مخلصين. ويعيش نساؤهم مع حرمنا كما أن رجالهم يعيشون بين رجالنا. نحبهم حباً عظيماً وليس في القبيلة من له منزلتهم من الدالة على العائلة فهم مختلطون بنا ليل نهار وهم الكل في الكل. قلت: وهل للعبد من معاش؟ قال: كلا. وليس للعبد أن يملك حلالً إنما ملك مولاه ملكه على إنه إذا رام سيد العبد أن يطرده من خدمته حق لذاك شيء كما هو معروف في أنظمة القبائل. قلت: وهل للقبائل بهذا المعنى أنظمة مكتوبة تتمشى بموجبها؟ قال: ليس للقبائل أنظمة مكتوبة ولكن المتقدمين سناً مطلعون عليها فنستشرهم بأمرها. قلت: وهل تفرض هذه الأنظمة معاشاً للعبد إذ طرده سيده من خدمته؟ قال: لا بد حينئذ من فرض معاش للعبد يختلف باختلاف أفراد عائلته حتى يتمكن من الحياة. وكثيراً ما يفضون المشكل هذا بالحسنى فيأخذ العبد عدداً من الحلال متخلياً عن كل معاش في المستقبل هذا إذا كان العبد قد طرد من الخدمة بدون ما ذنب جدير بالذكر. أما إذا كان طرده مولاه لجريمة اقترفها فلا يحق له شيء ولا يعطى شيئاً. قلت: وأي ذنب يستوجب طرد العبد وعائلته مجرداً من كل تعويض يكفل معاشه وهو لا يملك شيئاً؟ قال الخيانة. ولكنها تتنوع. إذ ليست على إطلاقها مما يستوجب إعدام العبد وإبادة ذريته. قلت: وإلى من يعود جواد العبد؟ قال: إلى سيده إذ أن العبد فرد من العائلة يعيش في مطبخها ويرتدي من ملابسها ويدخن من تبغها. وليس سوى المقام ما يفرق بين الأمير وعبده. قلت: وما هي طريقة معيشة العبيد والجواري الفردية والعائلية. قال: أفهمتك سابقاً إنهم يعيشون مع العائلة بلا قيد ولا شرط. قلت: أحب أن أعرف طريقة زواجهم وتربية أولادهم ومعيشتهم العائلية حال كونهم مقيدون بالخدمة؟ قال: إن العبيد على ثلاثة اقسام، فالقسم الأول مخصص لحراسة كبير العائلة أو أمير القبيلة، والثاني مخصص بخدمة المنزل، والثالث لسياسة الخيل الخصوصية. كذلك الجواري على ثلاثة أقسام. الأول لخدمة الحرم الخدمة الخصوصية ولمرافقتهن في الحل والترحال. والثاني لإعداد طعام العائلة وما يختص بأنواع الأكل. الثالث لغسل ملابس العائلة وتنظيفها وترتيبها. واعلم أن لكل عبد ساعات معينة في اليوم يصرفها في منزله الخاص. قلت: وهل للعبيد منازل خاصة بهم؟ قال: أفدتك أن العبد لا يملك شيئاً لنفسه. غير إنه متى أصبح العبد رب عائلة نقدم له منزلاً لإيوائه ونؤثثه له الأثاث اللازم فيجتمع فيه إلى امرأته وأولاده حين فراغه من الخدمة. قلت: وإذا ولدت الجارية؟ قال: متى حملت الجارية نوقفها عن الخدمة إلى أن تلد ويكبر ولدها ويصبح في وسعها أن تتركه بدون ما انزعاج. وفي تلك الأثناء تأكل وتشرب كعادتها وهي في بيتها لا يكرهها أحد على المجيء إلينا. قلت: وقد يحلبن معاً فمن يخدم العائلة إذ ذاك ضحك وقال. زواجهم منوط بنا والذي يتزوج منهم قليل فإننا لا نريد أن نجعل قبيلة من عبيد وجوار فيلزمهم إذ ذاك نفقات كثيرة. في القبيلة كلها الآن يوجد اثنتان متزوجات وما بقي من الجواري كبرن فلا يصلحن للزواج. وكذلك الرجال، والحالة هذه لا يوجد عندنا إلا جارية واحدة معطلة عن الشغل. وشعرت بأنني ربما أزعجت الأمير بكثرة الأسئلة فلزمت الصمت هنيهة. غير إنه عاد فقال: لا تظن أنك أزعجتني. كلا فسل ما تشاء. قلت: وهل كل ما في القبيلة من حلال ملك العائلة؟ قال: كلا. بل لكل بيت حلاله وللعائلة حلالها الخاص. قلت: وكيف يملك البدوي حلاله؟ قال: إن أهل البادية بأجمعهم يملكون في الأصل حلالاً. ومتى غزت قبيلة غيرها وتغلبت عليها تقسمت الغنيمة نسبياً بين الغزاة. قلت: إذا شاء سيدي فليزدني إيضاحاً بشأن تقسيم الغنائم. قال: تقسم الغنيمة هكذا : يخصص منها خمسون بالمائة للإدارة وتوزع الأخرى بنسبة الدرجات قلت: ما معنى هذه الدرجات؟ قال: سبقت فقلت لك إن القبيلة أقسام. فعلى هذه الأقسام توزع الغنيمة…. يأخذ حرس العماريات ثلاثة وعشرين من الخمسين التي تفضل عن الإدارة ويأخذ الفرسان سبعة عشر والرعاة عشرة. ويتفق أحياناً أن يخصص أمير القبيلة شيئاً ببعض الرؤساء وذلك تابع لظرف الزمان والمكان فليس منه شيء محدد. وحرس العماريات أقوى وأفضل فرسان القبيلة. فقد مرت عليهم غزوات وحروب عديدة فهم والحالة هذه أشد فرسان القبيلة بأساً. ولا يخفى عليك أن حماية العرض أهم شيء في نظرنا لا سيما وقد تفشت تلك العادة القبيحة الذميمة عادة السبي. قلت: أرجو من سيدي أن يزيدني شرحاً عن حرس العماريات وغيرهم من القبيلة. قال: إن لهؤلاء الأبطال دائرة خصوصية ولهم رئيسهم أو مديرهم. وهو يراقب حالة المجاورين متبعاً لظروف الزمان والمكان. وهو المسؤول عن حماية العرض بمعاونة أبطاله. ومن هؤلاء الأبطال نختار قواد الفرق التي نسميها الفرسان. والفرسان أو الجيش المسؤول عن حماية القبيلة منظمون فرقاً ولكل فرقة رئيسها أو مديرها ولهم جيادهم وسلاحهم على حساب إدارة القبيلة. أما قسم الرعاة فهم الذين يخدمون الماشية مهتمين بنتاجها وسائر ما يتعلق بها من جز صوفها وإعداد سمنها وما شاكل. قلت: وكيف يكون هذا البدوي فارساً وآخر راعياً وآخر محترفاً حرفة أخرى لذلك عائد إلى مجرد إرادتكم أم ماذا؟ قال: إرادتي بهذا الامر، إنما هي إرادة البدوي مجردة من كل ضغط وقسر. والبدوي راع في الأصل غير أن يسعه أن يتقدم باجتهاده وشجاعته. والعدل عندنا موجود. عندما يبلغ البدوي الرابعة عشرة من عمره يذهب إلى الرماية أما برفقتي أو برفقة من أعينه ويقضي كل يوم ثلاث ساعات يتمرن فيها على الرماية ويدوم التمرين هذا تسعة أشهر وهي المدة التي نصرفها مقيمين في المحلات. وتصرف الأشهر الباقية في الحل والترحال وهي زمن العطلة والفراغ. فإذا انقضت الأشهر التسعة وأصبح البدوي يحسن الرماية فيصيب الهدف ثمانين مرة من كل مائة رمية جعلناه فارساً وإلا يبقى راعياً. ثم متى بلغ العشرين يعاد تمرينه على الرماية شهراً واحداً. فإذا نجح ترقى إلى رتبة فارس. وإلا بقي راعياً. وفي الخامسة والعشرين يمرن ثالثة شهراً واحداً وهو آخر تمرين فإذا نجح صار فارساً وإلا فإنه يصرف حياته راعياً. قلت: وهل هو نظامكم منذ الأصل أم كان لكم نظام قبله؟ قال: كانوا قديماً يمرنون البدوي على ضرب السيف فيفرضون عليه أن يقطع بحده وبضربة واحدة أشياء أعدوها لهذه الغاية ثم جاءت الرماية فحلت محل ضرب السيف. قلت : وكيف يترقى الفارس إلى درجة حرس الحريم؟ قال: نختار الفرسان الذين باغوا في المواقع وتغلبوا على الخصوم وكانوا من العاملين في سبيل صالح القبيلة ونرقيهم إلى الدرجة التي أشرت إليها إذ على الحارس أن يبرهن على مقدرته التامة من سائر الوجوه وإن يكون بالتالي (خوش راجل) اعني رجلاً بكل معنى الكلمة. قلت: وما هي واجبات البدوي للعائلة سيدة القبيلة؟ قال: على كل بدوي يلجأ إلينا أن يدفع مبلغاً معيناً في السنة ونعتبر هذا المبلغ فريضة على الحماية. وتختلف هذه الفريضة باختلاف السنين. قلت: وماذا يدفع في هذه السنة؟ قال:ريالاً مجيدياً ومثله امرأته وكل من أبنائه. قلت: وهل يلتزم بدفع الفريضة عن أبنائه وهم أطفال؟ قال: نعم يلتزم بذلك منذ ولادتهم. قلت: وماذا يدفع البدوي خلا ما ذكر؟ قال: يدفع كما أفدتم سابقاً ثلاثين بالمائة من غلة الصوف والسمن والجلد ونتاج الحلال. جبايتنا على العدد اعني كذا عن زق السمن وكذا عن حمل الصوف الخ فيقدر المبلغ الذي يدفعه البدوي ثلاثين بالمائة من وارداته السنوية. قلت: إلا ترون ذلك باهضاً؟ قال: كلا. إذ لو كان البدوي يشتري من جيبه الخاص وخرطوشه وبندقيته ليتعلم الرماية لفاقت النفقة الفريضة المذكورة. فهو لا يدفع شيئاً مما تقدم.والنفقات هذه برمتها ندفعها من مال (الصر) الخزينة. قلت: وكيف يسعكم إحصاء هذه الغلات؟ قال: ذلك أمر هين. تجمع الإدارة الغلال المراد بيعها ثم تعقد اتفاقاً مع التجار الذين يقدمون على مشتراها. وتباع الغلال صفقة واحدة وتقبض الإدارة المال وتدفع لكل بيت ما يصيبه منه بعد حسمها حصتها. قلت: وما هي لهم المواسم التي تعتمدون عليها؟ قال: السمن والصوف، يجيء بعدهما الجلد والفائض من نتاج الحيوانات. قلت: وكيف تديرون هذه الاعمال؟ هلا تستخدمون الكتابة؟ قال: إن لهذه الأعمال سجلات مختلفة ودوائر ومجالس. قلت: وما هي دوائركم؟ قال: لنا دائرة المحاكم الشرعية. ومن اختصاصها الزواج والوفاة وحصر الإرث والمواليد والطلاق وجميع الأمور الشرعية والدينية. ولنا دائرة المحاكم المدنية ومن اختصاصها إجراء العدالة بين المتنازعين والمتخاصمين ولنا دائرة المالية. ومن اختصاصها جباية الضرائب وتقسيم الغنائم وبيع الغلال وتوزيع وارداها واستبدال البعض منها. قلت: وماذا تعنون باستبدال البعض منها؟ قال: يقوم الاستبدال بأن يأخذ كل بيت حاجته من الحنطة والذرة التي تزرعها القبيلة في أملاكها الخاصة لأجل مئونتها. وبدلا من ذلك يقدم للإدارة من غلاله ما يعادل قيمة ما آخذه. قلت: وماذا تعلمون بالضرائب التي تجبونها؟ فقال: إن للأمير حقاً بأن يتصرف بها كيف شاء ولكنه يأبى إلا إنفاقها في سبيل خير القبيلة فسن لها نظاماً يسير بموجبه كل من يخلفه ويلخص هذا النظام بما يلي:

أولاً ينفق الأمير على العائلة إنفاقاً لائقاً بها معززاً شأنها من شتى الوجوه.
ثانياً: ينفق من هذه في سبيل مشترى الجياد اللازمة للقبيلة ومشترى سائر حاجيات هذه الجياد.
ثالثاً: ينفق منها في سبيل مشترى سائر الأسلحة اللازمة لكيان القبيلة وصيانتها.
رابعاً: ينفق منها في سبيل مشترى أدوات وقرطاسية دوائر القبيلة.
خامساً: وتدفع منها جوائز الرجال الذين أحسنوا إلى القبيلة بأعمالهم المجيدة.
سادساً: بالمال الذي يفضل عما تقدم يشتري الأمير أملاكاً ثابتة يخصها بصالح القبيلة جمعاء.


وإذ كنا سائرين والشيخ يقص علينا الأخبار انتهينا إلى خيمة جعلوها دائرة للمحاكم الشرعية دخلنا فوجدنا هنالك بدوياً جالساً على الأرض وإلى جانبه كمية من الدفاتر والأقلام الرصاصية المتعددة الألوان.
سألت: ولماذا هذه الأقلام الرصاصية الملونة فأجبت إنها لتمييز القيود الواحد من الآخر وهذه طريقة تسهل الأعمال وتسرع بإنجازها. فالزواج مثلاً يقيد باللون الأحمر فلو جاء أحدهم وطلب الاستفادة عن يوم زواجه فتش المسجل عن ذلك في اللون الأحمر. والقيود عندنا متتابعة فإنك ترى في الصفحة الواحدة ألواناً مختلفة دلالة على اختلاف القيود. وقد اصطلحنا على تخصيص اللون الأحمر بالزواج، والأسود بالموت والأخضر بالولادة وهلم جرا.
سألت: وأين يتعلم البدوي القراءة والكتابة فقيل لي: هنا في القبيلة. قلت: وهل في القبيلة مدرسة؟ قال: إن في قبيلتنا (مدرسة خوش مدرسة) أعني مدرسة عظيمة. قلت: وهل يستقل هذا البدوي يقيد ما يلزم في هذه الدفاتر؟ قال: كلا. فإن شيخ القبيلة يؤلف مجلساً منه ومن معاونين اثنين فيقيد هذا البدوي كل ما يقره أعضاء المجلس. على أن المسائل المنوطة بالزواج والطلاق فينجزها شرعياً أحد مشايخ الدين. قلت: ومن أين لكم شيوخ الدين وأنتم في البادية؟ قال: هم دائماً معنا واليهم نسلم تعليم الأولاد القراءة والكتابة والصلاة في القرآن الشريف. قلت: أهي خطة جديدة سلكتم بموجبها أم ذلك قديم العهد عنكم؟ قال: هي خطتنا منذ نشأتنا وقد ورثناها عن آبائنا وأجدادنا ولا جديد عندنا سوى استبدال الجلود بالورق واستبدال حبر الحشائش بالحبر الجديد والقلم الرصاص والمواضيع بالمعدل وكان أيضاً في زاوية من الخيمة بدوي ثان وإلى جانبه دفاتره وأقلامه الرصاصية وهو المولج بتدوين الأعمال المختصة بالمحاكم المدنية. وتؤلف دائرة هذه المحاكم من رئيس وعضوين يختارهم الأمير من أعيان القبيلة. وليس للمحاكم المدنية من نظام يتمشى عليه العربان إنما لهم عادات يتمسكون بها منذ الأجيال القديمة وليس بينهم من يجهلها. والأحكام عند العرب عرفية على نوع ما غير أن العدل موجود فيما بينهم فلا حيف هنالك ولا ظلم. وجاء بنا الشيخ إلى خيمة أخرى فوجدنا هنالك رجالاً ثلاثة وإلى جوانبهم الدفاتر العديدة وكانت هذه الخيمة دائرة (الصر) أو خزينة القبيلة أو محل الضرائب والجباية حسب اصطلاحهم وقد نظموا أعمالها على النمط الآتي:
أولاً- دفتر لقيد أسماء أفراد القبيلة. فجعلوا لكل بيت صفحتين يقيدون في أحدهما الأفراد الأحياء مضيفين إليها اسم كل مولود جديد في خلال السنة ويقيدون في الصفحة الثانية أسماء الذين يموتون من أبناء ذلك البيت وهكذا يحصون أفراد القبيلة.
ثانياً- دفتر لقيد المواشي وفيه لكل بيت صفحتان يقيد في أحدهما عدد ماشيته وحلاله ومواليدها ويقيد في الصفحة الثانية عدد المفقود منها والمباع ويجمع في آخر السنة صافي تلك الحيوانات فتؤدي الضريبة المفروضة عليه.
ثالثاُ- دفتر الغلال التي تستلمها الإدارة من كل بيت يقيدون فيه الكمية المسلمة وأسعار بيعها مضيفين إلى ذلك كل ما يتعلق بالاستبدال والمواسم وما شاكلها.
رابعاً – دفتر التسليف حلال البدوي ولم يكن عنده من المال ما يكفيه لشراء حلال جديد يأخذ من الخزينة ما يشتري به الحلال إذ لا يسع البدوي أن يعيش بدون حلال.
ثم تستوفي الخزينة ما لها من ذاك البدوي في خلال أعوام معلومة تعين تبعاً للظروف. ووجدت في تلك الدائرة دفاتر خصصت بالغزوات تقيد فيها الأرباح والخسائر وتقسم على مختلف الدرجات البدوية. وقد جعلوا أيضاً في تلك الدائرة أربعة دفاتر مخصصة كما يلي:
أحدهما لقيد كل ما يدخل على الأمير من مال ومتاع.
ثانيها لقيد نفقات الأمير.
ثالثهما لقيد واردات القبيلة وهو مجموع ما يدخل عليها من سائر الغلال والمواسم والنتاج وهل جراً. رابعها لقيد نفقات القبيلة في سبيل ابتياع الأسلحة والجياد والذخيرة وهل جرا. ودخلنا خيمة أخرى وقد خصت بالذخيرة
.

يقوم بحراستها أربعة رجال بأسلحتهم. وقد وضعوا في تلك الخيمة الصناديق العديدة وكلها ملأا بأنواع الأسلحة. دنوت من مدير تلك الخيمة وسألته. كم عندك من الدفاتر؟ قال: اثنان فقط، أحدهما للوارد والثاني للصادر. قلت: وماذا تعني بذلك؟ قال: نقيد الوارد هكذا. ورد إلينا في يوم كذا بواسطة فلان عدد كذا خرطوش عدد كذا وهلم جرا. وتقيد الصادر هكذا. بتاريخ كذا سلمنا بأمر مولانا فلاناً بندقية نمرتها كذا وخرطوشاً عدد كذا. والمقصود من ذلك ان يستطيع الأمير معرفة ما عنده في البيت من سلاح وذخيرة بدون ما عناء ولا تعب. قلت: وهل لك أن تفيدني عما عندكم من البنادق في الآونة الأخيرة؟ توقف عن الجواب ناظراً إلى الشيخ كأنه يستأذنه، فأوعز إليه الشيخ أن يجيب على أسئلتنا، فكشف دفتره وأجابني فوراً. تسعمائة في المخزن. قلت وكم هي سيوفكم؟ قال: ثلاثمائة. قلت: ومسدساتكم؟ قال: أربعمائة. قلت: وهل تتجرون بالأسلحة؟ قال: إن الجواب على هذا السؤال منوط بمولاي الأمير. وعندها قال الشيخ لسنا نتاجر بالأسلحة على الإطلاق ولكننا نتأهب للطوارئ والمفاجئات. إذ يتفق إننا نغزو فنخسر سلاحنا ولا سبيل لنا إذ ذاك إلى استجلاب ما يغطي خسارتنا قبل مرور أشهر ستة. وهذا على أقل تعديل وهيهات أن تسلم من مصادرة الدولة (يعني الدولة العثمانية وكانت حينذاك سلطانة تلك الفيافي) بناء عليه يجب أن يكون في حوزتنا وبصورة دائمة ثلاث بدلات لثلاثمائة رجل ولذلك نرى عندنا الآن تسعمائة بندقية. وهي افضل وسيلة لنعيش بمأمن من كل خطر. قلت للشيخ: لماذا لا تسمحون لنا بالدخول إلى بيت الذخيرة لنرى ما فيه؟ وقف الشيخ حمود هنيهة ثم قال: (ما يخالف) تفضلوا. فقلنا: إذا كان ثمة مانع يمنع دخولنا إلى البيت فنحن نمتنع عن ذلك لأننا لا نريد خرق أنظمتكم. فضحك ثم قال: القبائل لا تفضح أسرار سلاحها وذخيرتها ولكن أنتم كرام وسوف لا تقولون شيئاً مما ترون. فقلت له: كن على يقين إننا لا نتلفظ بكلمة واحدة يمكنها أن تضر بكم فدخلنا البيت ووجدنا صناديق على الجانبين منضدة بعضها فوق بعض حتى سقف المضرب وفي وسطه بيوت جديدة من الجلد لأجل نقل الخرطوش وبندقيات من الطراز الجديد ومسدسات وسيوف وقرب للمياه ورماح. وأدى بنا المسير إلى المدرسة فإذا هي خيمة طويلة عريضة فيها الأستاذ وثلاثون طالباً وقد جلس جميعهم على الحضيض وما أن دخلنا حتى وقفوا على أقدامهم منادين بالصوت الواحد (ليعش مولانا وحامي حمانا) وكان الأستاذ بدوياً من أفراد القبيلة وقد اقتبس علمه في دمشق ومنها أخذ لقب (شيخ علم) وسألت الأستاذ قائلاً: ماذا تعلم هؤلاء الأحداث؟ قال: القراءة العربية وكتابتها وصلاة القرآن الشريف. وكان في الخيمة لوح أسود لتعليم الكتابة وهو شبيه بالألواح السوداء التي نستخدمها في معاهدنا تركنا المدرسة عائدين إلى مركز رجال حملتنا وفي أثناء مسيرنا مررنا بخيمة خصت بالحرم وقد فرشت بالسجاد العجمي الفاخر ووضعوا في كل زاوية منها فراش من صوف الماعز الناعم. فلم نشأ أن نتعرض كثيراً لأمر النساء لاعتقادنا أن العرب يستهجنون البحث عن ذلك فواصلنا المسير إلى خيامنا.

إستعراض الفرسان 15 نيسان:

نهضنا من رقادنا حوالي الساعة الخامسة صباحاً. وكنا نتناول القهوة حين دخل علينا الشيخ حمود يدعونا لحضور الاستعراض وكان الطقس جميلاً للغاية فسألته: وماذا تعني بالاستعراض؟ أجاب: استعراض الفرسان الذين نعدهم للمنازلة لأن الحرب واقعة بيننا وبين القبيلة المعهودة بعد مغادرتكم أراضينا قلت: عفواً مولاي اعطنا بضعة دقائق فرصة لنجهز آلة التصوير. قال: أرجوكم أن لا تصوروا الاستعراض، رغماً عن كل ثقتنا بكم لا يمكنا السماح لكم بذلك. وحوالي الساعة الثامنة كنا والشيخ خارج المضارب وقد صحب الشيخ عشرة من أركان قبيلته ونصف القوة الموجودة في القبيلة. قلت: أهؤلاء كل رجالك؟ قال: لا يسعنا أن نجرد القبيلة من كل قوة. فإننا نأخذ النصف ونترك النصف الآخر لحين الحاجة. قلت: وكم هو عدد النصف؟ قال: مائتان وخمسة وسبعون فارساً. فإننا سنمرن هؤلاء قبل الظهر لنمرن النصف الباقي بعد الظهر. مشينا مسافة نصف ساعة فانتهينا إلى ساحة فسيحة وكان الشيخ راكباً جواده. فاستل سيفه وشرع ينادي فرقه هكذا:

ا- فرقة المواضي. وهي الفرقة المخصصة بضرب السيف وكان عددها خمسين فارساً وأخذ الأمير يمنحها بالهجوم والدفاع وبضرب السيف والرمح ثم امتحن الجياد وإطاعتها للحركات وما شاكل.
2- فرقة الفرسان. وهي فرقة الفرسان المسلحين وكان عددها خمسين فارساً.
3- فرقة الحرس: وهي فرقة السواري لحرس العائلة وكان عددها خمسين فارساً.
4- فرقة الأبطال. أي نخبة القبيلة وعدد رجالها خمسون فارساً.
5- فرقة المواصلات. أي الفرقة المحافظة على خط الاتصال بين القبيلة وساحة القتال. وعدد رجالها خمسون فارساً.
6- رجال الشيخ أي الفرقة التي يبقى رجالها حول الشيخ بصورة دائمة تنفيذاً لأوامره وإبلاغها إلى الفرق الأخرى. وعدد رجال هذه الفرقة خمسة وعشرون فارساً.

وقد سر الأمير لدن شاهد قومه على أتم الاستعداد للنزال، وعند الساعة الواحدة بعد الظهر عدنا جميعاً إلى المضارب وكان العربان ينشدون الأغاني الحماسية إكراماً لأميرهم. وما زلت اذكر منها ما يلي:

يا شيخنا يا شيخ حمود
رجالش (رجالك) شلها (كلها) أسود
بالحرب لا نخشى الوعود
ولضيوفكم نحفظ عهود
بوادي العدس باشر (باكر) تشوف
خيولنا صفوف صفوف
ورماحنا مع السيوف
ورصاصنا باشر تشوف


وكنا دعونا الأمير لتناول طعام الظهر على مائدتنا فقبل الدعوة شاكراً. وبعد الغداء ذهبنا معه لاستعراض البقية من فرسانه وكانوا موزعين نظير الذين تقدموهم. وانتهى الاستعراض عند الساعة السادسة مساء فرجعنا جميعاً إلى المضارب. وعندها دعانا الشيخ إلى العشاء وما دقت الساعة الثامنة مساء حتى دخلنا بيت الأكل فإذا هو خيمة منارة، مع أن العرب لا يستعملون النور فأردنا أن نعرف ما هو شكل النور المستعمل في تلك الخيمة فلم نر شيئاً من أدوات ظاهرة للعيان سألت الشيخ: ما هذا النور فأدخلنا وراء الستار وجدنا مصابيح معلقة ومن حولها العبيد تراقبها خوفاً من الحريق. تناولنا العشاء على مائدة شيخ القبيلة (وكان عشانا حلال صغير لذيذ جداً) وقد نصح لنا أن نسافر ليلاً ملافاة للطوارئ. ورقدنا في تلك الليلة نحواً من ساعتين نهضنا بعدهما نعد عدتنا للرحيل. وعند الساعة الواحدة صباحاً أقبل الشيخ حمود لوداعنا وقد تلطف فقدم لنا أربعة من رجاله البواسل يرشدوننا إلى الطريق السلطاني. فساروا على طريق خاص وعر وكان الجو صافياً والقمر منيراً فساعدنا ذلك على المسير سراعاً، وكانت السكينة سائدة لا نسمع سوى وقع حوافر الدواب لأننا كنا نزعنا الأجراس والقلائد من رقاب البغال ومنعنا المكارية من الغناء.

لقراءة الموضوع كامــلا من المصــدر
اضــغــط هــنـــــا

_________________

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
البركان
عضو جديد
avatar

عدد المساهمات : 11
تاريخ التسجيل : 20/10/2008

مُساهمةموضوع: رد: رحـلة في الـبـاديـــة   الخميس سبتمبر 24, 2009 2:13 am

معلومات قيمة جدا اقراها لاول مرة
عن التنظيم والقانون القبلي
في تلك الحقبة
جزاك الله خيرا لما نفعتنا به
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
رحـلة في الـبـاديـــة
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتديات حمورابي التاريخية :: المـنـتــديــــات الـتـأريــخــيــــة :: منـتـدى ادب الــرحــلات-
انتقل الى: